أحمد بن علي القلقشندي

206

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المملوك يخدم بتحيّة أرقّ من النّسيم ، وسلام أطيب عرفا من بان النّقا ( 1 ) إذا تحمّلت عرفه ريح الصّريم ( 2 ) . وينهي إلى علمه الكريم ورود مشرّفته وأنه أحاط بمضمونها علما ، وشاهد منها في حال طيّها مكارم أصارت تفضيله على حاتم الطائيّ حتما ، ووقف منها على درّ لفظ قذفه بحر خاطره نثرا ونظما ، وبراعة عبارة زادت قلب مواليه غراما وأنف مناويه رغما ، وفصاحة عرّفته قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « إنّ من البيان لسحرا وإنّ من الشّعر لحكما ( 3 ) » وفهم عنايته بفلان نفع اللَّه بعلمه وعمله ، وقرّب له من الخير ما لا يطمعه به بعيد أمله ، وإشارته بسبب التنبيه والإرشاد على جمل فضائله ، ومفصّل مناقبه المشهورة في البلاد ، وإيضاح كفايته في وجيز تلك الفصول الصّحاح الإسناد ، فحال قدوم المذكور وحلوله ، وورود مشرّفه ووصوله ، أنهى المملوك أمره إلى مخدومه ، وطالع به شريف علومه ، ولا زال يحسن سعيه ، ويعتمد على مشيئة اللَّه ولا يترك حرصه ومشيه ، إلى أن حقّق قصده بقضاء شغله ، وقرّب له أمد أمله ، وكتب توقيعه ولم يرد اللَّه تعويقه ، ونجع طعم قصده وأنجح اللَّه طريقه ، وقد عاد مصحوبا بالسّلامة ، معروفا بتحصيل هذا القصد بأنه ( طلَّاع الثّنايا ) من غير وضع العمامة ، حسب إشارة المولى وأمره ، واللَّه تعالى يمدّه بصونه ونصره . آخر : في استخلاص حقّ . شكر اللَّه إحسانه وإنعامه ، وحصّل به لكل وليّ مرامه ، وحمد تطوّله وتفضّله ، وأنال به لكلّ آمل أمله ، وخلَّد دولته ، وأدام نعمته ، وأنفذ كلمته ، ولا

--> ( 1 ) النقا ، بفتحتين : كثيب الرمل . مختار الصحاح ( كثب ) . ( 2 ) الصريم هنا بمعنى الصبح ، وقد يأتي بمعنى الليل المظلم . القاموس المحيط ومختار الصحاح ( صرم ) . ( 3 ) الحكم ، بضم الحاء وسكون الكاف : العلم والفقه ؛ قال اللَّه تعالى : وآتَيْناه الْحُكْمَ صَبِيًّا ، أي علما وفقها . وفي الحديث : إن من الشعر لحكما ، أي إنّ في الشعر كلاما نافعا يمنع من الجهل والسفه وينهى عنهما . انظر لسان العرب ، مادة ( حكم ) .